ابن حمدون

298

التذكرة الحمدونية

الجواب من القاضي ابن قريعة : وصل توقيع سيدنا الوزير بالتعزية عن اللاي [ 1 ] الذي كان للحرث مثيرا ، وللدولاب مديرا ، وبالسّبق إلى كثير من المنافع شهيرا ، وعلى شدائد الزمان مساعدا وظهيرا . ولعمري لقد كان بعمله ناهضا ، ولحماقات البقر رافضا ، وأنّى لنا بمثله وشرواه ولا شروى له ، فإنه كان من أعيان البقر ، وأنفع أجناسها للبشر ، مضاف ذلك إلى خلائق حميدة ، وطرائق سديدة . ولولا خوفي تجديد الحزن عليه ، وتهييج الجزع لفقده ، لعددتها فيه ليعلم أنّ الحزين عليه غير ملوم ، وكيف يلام امرؤ فقد من ماله قطعة يجب في مثلها الزكاة ، ومن خدم معيشته بهيمة تعين على الصوم والصلاة . وفهمته فهم متأمّل لمراميه ، وشاكر على النعمة فيه ، فوجدته مسكَّنا ما خاطر اللبّ وخامر القلب ، ففقد هذا اللاي من شدّة الحرق ، وتضاعف القلق ، وتزايد اللوعة ، وترادف الارتماض بعظم الروعة ، فرجعت إلى أمر اللَّه فيه من التسليم والرضا ، والصبر على ما حكم وقضى ، واحتذيت ما مثّله سيدنا الوزير من جميل الاحتساب ، والصبر على أليم المصاب ، وإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ، قول من علم أنه سبحانه أملك بنفسه وماله وولده وأهله منه ، وأنه لا يملك شيئا دونه ، إذ كان جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه الملك الوهّاب ، المرجع ما يعوّض عنه نفيس الثواب . ووجدت أيّد اللَّه سيدنا الوزير للبقر خاصّة على سائر بهيمة الأنعام [ 2 ] التي أكثر أقوات البشر بكدّها وعلى ظهرها وحراثها إلا قليلا ، قال اللَّه سبحانه : * ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) * ( الواقعة : 63 - 64 ) . ولما رأى الحجاج الأسعار قد تضايقت ، وقرى السواد قد خربت ، حرّم لحوم البقر ، لعلمه وعلم جميع الناس بما في بقائها من المنافع والمصالح . ورأيت اللَّه تعالى قد أمر في القتيل الذي وجد في بني إسرائيل أن يضرب بقطعة من بقرة بلغ ثمنها